Home Fiqih HUKUM MENGELUARKAN ZAKAT FITRAH DALAM BENTUK UANG [Qaul Jadid KH Shiddiq Al...

HUKUM MENGELUARKAN ZAKAT FITRAH DALAM BENTUK UANG [Qaul Jadid KH Shiddiq Al Jawi

38

حكم إخراج زكاة الفطر بالقيمة

بقلم : محمد صدّيق الجاوي

وقد اختلف العلماء في حكم إخراج زكاة الفطر بالقيمة بدلاً عن أعيانها على المذهبين:

المذهب الأوّل : مذهب جمهور العلماء وهو ما ذهب إليه الأئمة الثلاثة مالك والشافعي وأحمد رحمهم الله تعالى من أنه لا يجوز إخراج زكاة الفطر بالقيمة وفي سائر الزكوات، مستدلين بالنصوص الشرعية الواردة في ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في إخراج زكاة الفطر بأعيانها من تمرٍأو شعيرٍ أو بُرٍّ أوغيرها . فعن عبدالله بن عمر رضي الله عنه، قال : »فَرَضَ رَسُوْلُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ علَيْهِ وَسَلَّمَ زَكاةَ رَمَضاَنَ عَلىَ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ ، وَالذَّكِرِ وَاْلأُنْثىَ ، صاَعًا مِنْ تَمْرٍ ، أَوْ صاَعًا مِنْ شَعِيْرٍ . فَعَدَلَ النَّاسُ بِهِ نِصْفَ صاَعٍ مِنْ بُرٍّ «. أخرجه النسائي (2500) واللفظ له، وأخرجه البخاري (1511)، ومسلم (984).

وأما المذهب الثاني فهو ما ذهب إليه بعض الأئمة سفيان الثوري وأبوحنيفة وأصحابه والبخاري في صحيحه رحمهم الله تعالى من أنه يجوز إخراج زكاة الفطر بالقيمة وفي سائر الزكوات. وقد روى ذلك عن عمر بن عبد العزيز والحسن البصري كما ورد في مصنَّف ابن أبي شيبة. فعن عون قال سمعت كتاب عمر بن عبد العزيز يقرأ إلى عدي (يعني الوالي) بالبصرة : ( يؤخذ من أهل الديوان من أعطياتهم من كل إنسان نصف درهم). وعن الحسن البصري قال: (لا بأس أن تعطي الدراهم في صدقة الفطر). وعن أبي إسحاق قال: (أدركتهم وهم يؤدون في صدقة رمضان الدراهم بقيمة الطعام). وعن عطاء: (أنه كان يعطي في صدقة الفطر وَرِقًا – دراهم فضية). (مصنَّف ابن أبي شيبة، باب إعطاء الدراهم في زكاة الفطر، ج 3 ص 37-38). قال الإمام النووي: (وهو الظاهر من مذهب البخاري في صحيحه وهو وجه لنا كما سبق). انتهى (محيى الدين النووي، المجموع شرح المهذّب، ج ٥ ص ٤٢٩). وقد أفتى الإمام الرملي من الشافعية بجواز دفع القيمة في زكاة الفطر، تقليداً للإمام أبي حنيفة في إخراج بدل زكاة الفطر دراهم. (فتاوى الرملي على هامش كتاب الفتاوى الكبرى للإمام ابن حجرالهيتمي، ج 1 ص 56). فهذا كله يدل على أن القيمة معتبرة عندهم في أداء زكاة الفطر.

ويستدل هذا المذهب الثاني بالأدلة منها قول الله سبحانه وتعالى : ﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً ﴾. سورة التوبة : 103.وقال المجوّزون في إخراج زكاة الفطر بالقيمة : ( فهو تنصيص على أن المأخوذ مال، والقيمة مال فأشبهت المنصوص عليه) ،أي الأعيان في صدقة الفطر من تمرٍأو شعيرٍ أو بُرٍّ أوغيرها).(فتوى قضاة المحكمة الإستئناف العليا الشرعية دولة البحرين في جوازإخراج زكاة الفطر بالقيمة، ملحق في كتاب تحقيق الآمال في إخراج زكاة الفطر بالمال، للشيخ أحمد بن محمد بن الصديق الغماري ص 51).

ويستدل أيضاً بقول النبي صلى الله عليه وسلم : »أَغْنُوْهُمْ (يعني المساكين) عَنِ الطَّواَفِ فِيْ هَذَا الْيَوْمِ«. رواه البيهقي في السنن الكبرى، عن عبدالله بن عمر، ج 4 ص 175. والإغناء يحصل بالقيمة كما يحصل بالطعام.

والمذهب الراجح عندي هو المذهب الثاني الذي يجوّز إخراج زكاة الفطر بالقيمة. ووجه الترجيح هو : بالرغم من وجود أمرمن رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل الذي أرسله إلى اليمن لأن يأخذ الزكاة بالأعيان، لكنه عليه الصلاة والسلم قد أقرّ معاذا بن جبل في أخذ الزكاة بالقيمة بدلاً من أعيانها. والتقرير من النبي صلى الله عليه وسلم دليل شرعي كقوله وفعله عليه الصلاة والسلام سواء بسواء. فعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ وَقَالَ لَهُ: » خُذِ الْحَبَّ مِنَ الْحَبِّ وَالشَّاةَ مِنَ الْغَنَمِ وَالْبَعِيرَ مِنَ الْإِبِلِ وَالْبَقَرَةَ مِنَ الْبَقَرِ«. أخرجه ابن ماجه (1814) وأبو داود (1599).

ففي هذا الحديث قد أمر النبي صلى الله عليه وسلم معاذا بن جبل لأن يأخذ الزكاة بالأعيان، إلاّ أنه عليه الصلاة والسلم مع ذلك، قد أقرّ معاذا بن جبل في أخذ الزكاة بالقيمة بدلاً من أعيانها. وقد قال الشيخ أحمد بن محمد بن الصديق الغماري في كتابه تحقيق الآمال في إخراج زكاة الفطر بالمال : ( إن أخذ القيمة في الزكاة ثابة عن النبي صلى الله عليه وسلم عن جماعة من الصحابة في عصره وبعد عصره). انتهى. (الشيخ أحمد بن محمد بن الصديق الغماري ،تحقيق الآمال في إخراج زكاة الفطر بالمال، ص 10).

ثم بعد ذلك أورد الشيخ أحمد بن محمد بن الصديق الغماري في الكتاب المذكور أعلاه (ص 10-11) روايات من جماعة من الصحابة تدل على جواز أخذ الزكاة بالقيمة بدلاً من أعيانها، من ثلاثة كتب : الخراج ليحيى بن آدم القرشي، المصنّف لابن أبي شيبة، والأموال لأبي عبيد. وأنقل إليكم ذلك كما هو بكماله للفائدة ما يلي :

قال يحيى بن آدم القرشي في كتاب الخراج (تحقيق الشيخ أحمد شاكر، ص 138) : حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن طاوس قال، قال معاذ باليمن : (ائتوني بعرض ثياب آخذه منكم مكان الذرة والشعير، فإنه أهون عليكم، وخير للمهاجرين بالمدينة).

وقال يحيى بن آدم القرشي أيضاً : حدثنا سفيان بن عيينة، عن إبراهم بن ميسرة، عن طاوس قال، قال معاذ باليمن : (ائتوني بخميس أو لبيس (أي ملبوس) آخذه منكم مكان الصدقة، فإنه أهون عليكم، وخير للمهاجرين بالمدينة).

وقال بن أبي شيبة في المصنَّف : حدثنا عبد الرحيم، عن الحجاج، عن عمرو بن دينار، عن طاوس قال : (بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم معاذاً إلى اليمن فأمره أن يأخذ الصدقة من الحنطة والشعير،فأخذ العروض والثياب بدل الحنطة والشعير).

وقال بن أبي شيبة أيضاً : حدثنا جرير بن عبد الحميد، عن ليث، عن عطاء : (أن عمر كان يأخذ العروض في الصدقة من الوَرِقِ وغيرها).

وقال بن أبي شيبة أيضاً : حدثنا بن عيينة، عن إبراهيم بن ميسرة، فذكر مثل ما رواه يحيى بن آدم القرشي عن سفيان في الخميس واللبيس ثم قال :

حدثنا وكيع، عن سفيان، عن إبراهيم بن ميسرة، عن طاوس : (أن معاذاً كان يأخذ العروض في الصدقة).

وقال بن أبي شيبة : حدثنا وكيع، عن أبي سنان، عن عنترة، (أن علياًّ عليه السلام كان يأخذ العروض في الجزية من أهل الابر الابر، ومن أهل المال المال، ومن أهل الحبال الحبال).

وقال أبو عبيد في الأموال : (وقد جاء الثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمرمعاذاً حين خرج إلى اليمن بالتيسير على الناس، وأن لا يأخذ كرائم أموالهم. ثم جاء مفسراً عن معاذ في حديث آخر، أنه قال هناك : ائتوني بخميس أو لبيس آخذه منكم مكان الصدقة، فإنه أيسر عليكم، وأنفع للمهاجرين بالمدينة. فالأسنان بعضها ببعض أشبه من العروض بها، وقد قبلها معاذ).

وروى عن عمر وعلي مثله في الجزية، (أنهما كانا يأخذان مكانها غيرها).

حدثني يحيى بن بكير، عن مالك، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر: (إنه كان يأتيه من الشام نعم كثيرة من الجزية).

حدثنا محمد بن ربيعة، وأبو نعيم، عن سعيد بن سنان، عن عنترة، عن علي عليه السلام : (أنه كان يأخذ الجزية من أصحاب الابر الابر)…فذكر مثل ما رواه ابن أبي شيبة، ثم قال : (قد رخّصا في أخذ العروض والحيوان مكان الجزية، وإنما أصلها الدراهيم والدنانير والطعام). قال : (وكذلك رأيهما في الديات من الذهب والوَرِق والإبل والبقر والغنم والخيل. إنما أرادا التسهيل على الناس، فجعلا على أهل كل بلد ما يمكنهم). انتهى (الشيخ أحمد بن محمد بن الصديق الغماري، تحقيق الآمال في إخراج زكاة الفطر بالمال، ص 10-11).

فجميع هذه الروايات تدل على جواز أخذ الزكاة بالقيمة بدلاً من أعيانها، وذلك أن من المعلوم أن معاذا كان يُرسل ذلك (أي المأخوذات من الزكاة) من اليمن إلى النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة، لأنه متولي الصدقة يأخذها من اليمن ومفرّقها على الفقراء بالمدينة، وقد قبل ذلك النبيُّ صلى الله عليه وسلم بالمدينة وقد أقره النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، أي أخذ الزكاة بالقيمة. مع العلم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان قال لمعاذ لأخذ الزكاة بأعيانها حين أرسله إلى اليمن : »خُذْ الْحَبَّ مِنْ الْحَبِّ وَالشَّاةَ مِنْ الْغَنَمِ وَالْبَعِيرَ مِنْ الْإِبِلِ وَالْبَقَرَةَ مِنْ الْبَقَرِ«. أخرجه ابن ماجه وأبو داود.

ومع ذلك، قد أقرّه النبي صلى الله عليه وسلم في أخذ الزكاة بالقيمة. والإقرار من النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك دليل الجواز في أخذ الزكاة بالقيمة شرعاً، إذ لو كان ما فعله معاذ في اليمن يخالف الشرع لَماَ أقرّه النبي صلى الله عليه وسلم ذلك ولَأَمَرَ معاذا بردّ ذلك إلى أهله في اليمن ونهاه عنه. ولم يحصل شيءٌ من ذلك. (الشيخ أحمد بن محمد بن الصديق الغماري، تحقيق الآمال في إخراج زكاة الفطر بالمال، ص 12).

وبناءً على ذلك كلّه، فالخلاصة أن المذهب الراجح عندي هو القول بجواز إخراج زكاة الفطر بالقيمة وفي سائر الزكوات كذلك، وإن كان الأفضل هو إخراج زكاة الفطر بأعيناها تمسّكاً بالنصوص الشرعية الواردة في ذلك. فمن أخرج زكاة الفطر بأعيناها فقد اختار بالأفضل، ومن أخرجها بالقيمة فلا بأس به ولا حرج.

وقد كنت أنا أرى منذ سنة 2010 أن إخراج زكاة الفطر بالقيمة لا يجوز شرعاً، مرجحاً مذهب الجمهور. وها أنا الآن في سنة 2024  أي في سنة 1445 في اليوم الخامس من شهر شوال قد تركت ذلك القول وأميل الآن إلى القول الجديد بجواز إخراج زكاة الفطر بالقيمة، بعد الدراسة والتدقيق والتمحيص في هذا الأمر، بعون الله وتوفيقه، والله أعلم.

جوكجاكارتا، 5 شوال 1445 المواق 14 أبريل 2024

أخوكم،

محمّد صدّيق الجاوي